حيدر حب الله
233
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
كان هذا التنامي لمرجعيّة العقل والتي صاحبها - كما تقدّم وسيأتي - نقد لمرجعية النصّ بدرجة من الدرجات ، بمثابة إنذار ترافق مع نقد موسّع لمقولات السلف سيما الشيخ الطوسي « 1 » ، لقد شعر التيار المؤمن بأنّ هذا التطوّر قد أفرط في إعطاء العقل المرجعيّة على حساب النص والتراث ، مما أحدث حالة من القلق على الدين والمذهب ، ارتدّ ارتكاسا حادّا على العقل نفسه لصالح النصّ الذي مورس النقد عليه سيما من قبل صاحبي المعالم والمدارك ، فظهر التيار الأخباري يحارب العقل محاربة لا هوادة فيها ويناصر نص السنّة ، ذلك النصّ الذي تعرّض بالخصوص للنقد السندي قرابة قرون ثلاثة . نقد السنّة المحكيّة والخوف على الموروث أشرنا إلى أنّ العلامة الحلّي قد شرع بتصنيف جديد للحديث ، وسرعان ما تحوّل هذا التصنيف إلى مرجعيّة مستوعبة ، وقد لاحظنا التطوّر التطبيقي لهذا التصنيف تدريجيا مع الشهيد الأوّل والثاني ثم مع الأردبيلي وتلميذيه الشيخ حسن وصاحب المدارك . . وقد رصدنا كيف بدأت عملية الإقصاء المنظّمة لجملة من النصوص تحت ستار أنّها من الموثّق بل الحسن بل الصحيح غير الأعلائي حتّى بلغت مبلغا من حيث حجم التطبيق مع جماعة برز منهم صاحب المدارك ، لقد كانت عملية نقد النصوص سنديا وإقصاء الواحد منها تلو الآخر ، مخيفة لتيارات عدّة في الداخل الشيعي ، كان حساب هذه العملية أكبر مما يتصوّر ، وقد أعطينا سابقا أنموذجا لهذا الحساب سيؤدّي إلى الإطاحة ، ودفعة واحدة ، بالآلاف المؤلّفة من النصوص ، مما سيترك آثارا بالغة على مجمل الصورة الفكريّة عند الشيعة سيما بعد الميزات السالفة الذكر التي كان يتمتّع بها المحقق الأردبيلي . وهنا ، كان الخوف على الذات وعلى التراث والموروث حاضرا مرّة أخرى في لاوعي التيار المحافظ ، المنتصر للخصوصية ، وهنا بالذات ، ظهر التيار الأخباري ، ولاحظنا مدى تشدّده لصالح الأحاديث « 2 » ، حتّى قال بيقينيّتها وبقطعيّتها جميعا في الكتب الأربعة بل وما يزيد عنها ، أو قال باعتبارها في لغة مخفّفة .
--> ( 1 ) - يعتبر حسين مدرسي طباطبائي أن ظاهرة نقد الموروث شملت عدّة أعلام من بينهم : الشهيد الثاني ، والحسين بن عبد الصمد العاملي ، وعبد النبي بن سعد الجزائري ، وميرزا حبيب الله الصدر ، والمقدّس الأردبيلي ، وصاحب المدارك ، وملا عبد الله الشوشتري ، وصاحب المعالم ، معتقدا أنّ الأخبارية كانت ردّا على هذا النقد ، انظر : مقدمه بر فقه شيعه : 57 - 58 . ( 2 ) - يشبّه محمد صادق بحر العلوم بين الأخبارية والحنابلة في موقفهم من الحديث وتمسّكهم به ، من بعض الوجوه ، فراجع له : دليل القضاء الشرعي ، أصوله وفروعه ق 1 ، ج 3 : 21 .